محمد بن أحمد الفرغاني

40

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

هذه الحقائق الإلهيّة المتفصّلة المنتشئة منها ، والمنتسبة إليها حقائق جميع الأنبياء عليهم السلام كلّيات وأصول وأجناس من كلّيات وأصول وأجناس وفروع من فروع بعدد ذلك حقائق إلهيّة جزئية فرعية لا تكاد تحصى كثرة ، ومنها انتشأت في هذه الحضرة العمائية وفي طرفها المسمّى بحضرة الوجوب وفي طرفها الآخر المسمّى بحضرة الإمكان حقائق كونية لا تحصى كثرة ، فكل ما تنسب إليه الجمعية بينهما والمضاهاة لبرزخيّتهما ، ولو بنسبة ما كانت حقيقة إنسانية ، وكل ما كانت نسبته إلى الوجوب أقوى كانت حقيقة علوية ملكية بسيطة ، وكل ما كانت نسبته إلى الإمكان أشدّ كانت حقيقة سفليّة من المولدات . وأمّا الحقائق الإنسانية ، فما بين مائل إلى طرف الإمكان ، فكانت حقائق الكفار الداخلة في حيطة الضلال ، وما بين مائل إلى التوسّط والجمعية أو الوجوب ، فكانت حقائق المؤمنين والأولياء الداخلة في دائرة حقيقة الهداية وبحسب قبول ذلك الميل حكم الشدّة والضعف بان تفاوت استعداداتهم ودرجاتهم في حقيقة قبول نور الإيمان وأثر الهداية ، وجميع هذه الحقائق الإلهيّة والكونية كانت شؤونا وأحوالا ذاتيّة من اعتبارات الواحدية مندرجة في بعض ومنتشئة بعضها من بعض بصور هذه الحقائق الكلّية والجزئية والأصلية والفرعيّة والجنسية والنوعيّة ، وكل ما نسب انتشاء حقيقته وتعيّنها من حقيقة إلهيّة أصولها وفروعها ، أو فروع فروعها وهلمّ جرّا ، كان ما كان انتشاء وتعيّن وجوده العيني الذي به ظهر في المراتب روحا ومثالا وحسّا من اسم إلهي متعيّن بتلك الحقيقة الإلهيّة بحسب تميّزها ووصفها ، فكان ذلك الاسم ربّه ، فلا يأخذ إلّا منه ، ولا يعطي إلّا به ، ولا يرجع إلّا إليه في توجهاته ودعواته بالحال أو القال في جميع المواطن ، ولا يرى إلّا إياه ؛ كما سنزيد هذا المعنى إيضاحا عن قريب إن شاء اللّه تعالى . وسمّيت تلك الشؤون الذاتية ههنا حقائق ، لأن أحكام هذه المرتبة الثانية الغالب عليها حكم تميّزات الأبدية مع آثار ظلمة غيب الإطلاق والأزلية السارية في هذه المرتبة الثانية أيضا كلّها حفت بكل شأن منها ، فكانت كحقة لذلك الشأن ، فصار بها ذا حقّة ، وسمّيت أعيانا ثابتة لثبوتها في المرتبة الثانية لم تبرح منها ولم يظهر بالوجود العينيّ إلا لوازمها وأحكامها وعوارضها المتعلّقة بمراتب الكون ، وسمّيت ماهية لما يساءل عن أنائية وهوية يضاف إليها كل شيء ، فيقال : نفسي وروحي وقلبي وبدني وكلّي وجزئي ، فيقال : ما هي ؟ زيد فيها هاء السكت وشدّدت